إن المتخلف عن صلاة الجماعة إذا صلى وحده؛ فله حالتان:
الحالة الأولى: أن يكون معذورا في تخلفه لمرض أو خوف، وليس من
عادته التخلف لولا العذر، فهذا يكتب له أجر من صلى في جماعة لما في الحديث
الصحيح: (إذا
مرض العبد أو سافر؛ كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما) فمن كان
عازما على الصلاة مع الجماعة عزما جازما، ولكن حال دونه ودون ذلك عذر شرعي؛ كان
بمنزلة من صلى مع الجماعة؛ نظرا لنيته الطيبة.
والحالة الثانية: أن يكون تخالفه عن الصلاة مع الجماعة لغير
عذر؛ فهذا إذا صلى وحده، تصح صلاته عند الجمهور، لكنه يخسر أجرا عظيما وثوابا
جزيلا، لأن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة، وكذلك يفقد أجر
الخطوات التي يخطوها إلى المسجد، ومع خسرانه لهذا الثواب الجزيل يأثم إثما عظيما،
لأنه ترك واجبا عليه من غير عذر، وارتكب منكرا يجب إنكاره عليه وتأديبه من قبل ولي
الأمر، حتى يرجع إلى رشده.
أيها المسلم ! ومكان صلاة الجماعة هو المساجد، لإظهار شعار
الإسلام، وما شرعت عمارة المساجد إلا لذلك، وفي إقامة الجماعة في غيرها تعطيل
لها:
وقد قال الله تعالى:
{فِي بُيُوتٍ
أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا
بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ
ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا
تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ}
وقال تعالى: {إِنَّمَا
يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ
الصَّلَاةَ}
ففي هاتين الآيتين الكريمتين تنويه بالمساجد وعمارها، ووعد لهم
بجزيل الثواب، وفي ضمن ذلك ذم من تخلف عن الحضور للصلاة فيها.
وقد روي أنه:
(لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)
وعن علي رضي الله عنه مثله، وزاد:
(وجار
المسجد من أسمعه المنادي) رواه البيقهي بإسناد صحيح.
قال ابن القيم رحمه الله: " ومن تأمل السنة حق التأمل؛ تبين
له أن فعلها في المساجد فرض على الأعيان إلا لعارض يجوز معه ترك الجماعة، فترك حضور
المساجد لغير عذر كترك أصل الجماعة لغير عذر، وبهذا تتفق الأحاديث وجميع
الآثار... " انتهى.
وقد توعد الله من عطل المساجد ومنع إقامة الصلاة فيها، فقال
تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ
وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا
خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ
عَظِيمٌ} وفي إقامة صلاة الجماعة خارج المسجد تعطيل للمساجد أو تقليل من المصلين فيها،
وبالتالي يكون في ذلك تقليل من أهمية الصلاة في النفوس، والله تعالى يقول:
{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ
فِيهَا اسْمُهُ}
وهذا يشمل رفعها حسيا ومعنويا؛ فكل ذلك مطلوب.
لكن إذا دعت حاجة لإقامة صلاة الجماعة خارج المسجد، كأن يكون
المصلون موظفين في دائرتهم وفي مجمع عملهم، وإذا صلوا في مكانهم، كان أحزم للعمل،
وكان في ذلك إلزام الموظفين بحضور الصلاة وإقامتها، ولا يتعطل من جراء ذلك المسجد
الذي حولهم لوجود من يصلي فيه غيرهم، لعله في تلك الحال - ونظرا لهذه المبررات - لا
يكون عليهم حرج في الصلاة في دائرتهم.
وأقل ما تنعقد به صلاة الجماعة اثنان؛ دون الجماعة مأخوذة من
الاجتماع، والاثنان أقل ما يتحقق به الجمع، ولحديث أبي موسى مرفوعا:
(الاثنان فما فوقهما جماعة)
رواه ابن ماجه، ولحديث: (من
يتصدق على هذا. فقام رجل فصلى معه، فقال: وهذان جماعة) رواه
أحمد وغيره، ولقوله صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث:
(وليؤمكما أكبركما) وحكي
الإجماع على هذا.
ويباح للنساء حضور صلاة الجماعة في المساجد بإذن أزواجهن غير
متطيبات وغير متبرجات بزينة مع التستر التام والابتعاد عن مخالطة الرجال، ويكن وراء
صفوف الرجال؛ لحضورهن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.