قال الله تعالى:{هُوَ الَّذِي
جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا
عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ
يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} .
وقال تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ
وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا
لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} .
صلاة الكسوف سنة مؤكدة باتفاق العلماء، ودليلها السنة الثابتة عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والكسوف آية من آيات الله يخوف الله بها عباده، قال تعالى: {وَمَا
نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا}
ولما كسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج إلى
المسجد مسرعا فزعا، يجر رداءه، فصلى بالناس، وأخبرهم أن الكسوف آية من آيات الله،
يخوف الله به عباده، وأنه قد يكون سبب نزول عذاب بالناس، وأمر بما يزيله، فأمر
بالصلاة عند حصوله والدعاء والاستغفار والصدقة والعتق وغير ذلك. من الأعمال
الصالحة، حتى ينكشف ما بالناس؛ ففي الكسوف تنبيه للناس وتخويف لهم ليرجعوا إلى الله
ويراقبوه.
وكانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف إنما يحصل عند ولادة عظيم
أو موت عظيم، فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الاعتقاد، وبين الحكمة
الإلهية في حصول الكسوف:
فقد روى البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود الأنصاري، قال: (انكسفت
الشمس يوم مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الناس: انكسفت الشمس
لموت إبراهيم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشمس والقمر آيتان من
آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك؛ فافزعوا إلى ذكر الله
وإلى الصلاة). وفي حديث آخر في " الصحيحين ": (فادعوا
الله وصلوا حتى ينجلي). وفي صحيح البخاري عن أبي موسى؛ قال: (هذه
الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله يخوف بها عباده،
فإذا رأيتم شيئا من ذلك؛ فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره)
فالله تعالى يجري على هاتين الآيتين العظيمتين الشمس والقمر
الكسوف والخسوف ليعتبر العباد ويعلموا أنهما مخلوقان يطرأ عليهما النقص والتغير
كغيرهما من المخلوقات؛ ليدل عباده بذلك على قدرته التامة واستحقاقه وحده للعبادة؛
كما قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ
وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا
لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}
ووقت صلاة الكسوف من ابتداء الكسوف إلى التجلي، لقوله عليه الصلاة
والسلام: (فإذا
رأيتم ذلك، فصلوا) متفق عليه، وفي حديث آخر: (وإذا
رأيتم شيئا من ذلك، فصلوا حتى ينجلي) رواه مسلم.
ولا تقضى صلاة الكسوف بعد التجلي؛ لفوات محلها، فإن تجلى الكسوف
قبل أن يعلموا به؛ لم يصلوا له.
و صفة صلاة الكسوف أن يصلي ركعتين يجهر فيهما بالقراءة على الصحيح
من قولي العلماء: ويقرأ في الركعة الأولى الفاتحة وسورة طويلة كسورة البقرة أو
قدرها، ثم يركع ركوعا طويلا، ثم يرفع رأسه ويقول: " سمع الله لمن حمده، ربنا لك
الحمد "، بعد اعتداله كغيرها من الصلوات، ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون الأولى
بقدر سورة آل عمران، ثم يركع فيطيل الركوع، وهو دون الركوع الأول، ثم يرفع رأسه
ويقول: " سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، ملء
السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد " ثم يسجد سجدتين طويلتين، ولا يطيل
الجلوس بين السجدتين، ثم يصلي الركعة الثانية كالأولى بركوعين طويلين وسجودين
طويلين مثلما فعل في الركعة الأولى، ثم يتشهد ويسلم.
هذه صفة صلاة الكسوف؛ كما فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وكما روي ذلك عنه من طرق، بعضها في " الصحيحين "؛ منها ما روت عائشة رضي الله
عنها:
(أن
الشمس خسفت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فقام وكبر وصف الناس وراءه، فاقترأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة
طويلة، فركع ركوعا طويلا، ثم رفع رأسه، فقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد،
ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبر فركع ركوعا طويلا هو
أدنى من الركوع الأولى، ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم سجد، ثم
فعل في الركعة الثانية مثل ذلك، حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات، وانجلت الشمس
قبل أن ينصرف) متفق عليه.