الاستعاذة :
ومعنى: «أعوذ بالله» أي: ألتجئ وأعتصم به؛ لأنه سبحانه وتعالى هو
الملاذُ وهو المعاذُ، فما الفَرْق بين المعاذ والملاذ؟
قال العلماء: الفَرْق بينهما: أن اللِّياذ لطلب الخير، والعياذ
للفرار من الشرِّ، وأنشدوا على ذلك قول الشاعر:يا مَنْ ألُوذُ به
فيما أُؤَمِّلُهُ ومَنْ أعُوذُ به مِمَّا أُحاذِرُهُ لا يَجْبُرُ
النَّاسُ عظماً أنت كاسِرُهُ ولا يَهيضُونَ عظماً أنت جَابِرُهُ
ومعنى: «مِن الشيطان الرجيم» الشيطان: اُسمُ جنْسٍ يشمَلُ الشيطان
الأول الذي أُمِرَ بالسُّجود لآدم فلم يسجدْ، ويشمَلُ ذُرِّيَّته،
وهو مِن شَطَنَ إذا بَعُدَ؛ لبعده من رحمة الله، فإن الله لَعَنَهُ،
أي: طَرَدَه وأبعدَه عن رحمته. أو مِن شَاطَ إذا غَضِبَ؛ لأنَّ
طبيعته الطَّيشُ والغضبُ والتسرُّعُ، ولهذا لم يتقبَّل أمْرَ الله
سبحانه وتعالى بالسُّجودِ لآدم، بل ردَّه فوراً، وأنكرَ السُّجودَ
له وقال: )وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ
فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ
طِيناً) (الاسراء:61) ، والمعنى الأول هو الأقربُ، ولذلك لم يُمنعْ
من الصَّرْفِ؛ لأنَّ النون فيه أصليّة.وأما الرجيم: فهو بمعنى:
راجم، وبمعنى: مرجوم؛ لأن فَعيلاً تأتي بمعنى: فاعل، وبمعنى: مفعول،
فمِن إتيانها بمعنى فاعل: سميع، وبصير، وعليم، والأمثلة كثيرة.ومِن
إتيانها بمعنى مفعول: جَريح، وقَتيل، وكسير، وما أشبه ذلك.
فالشيطانُ رجيمٌ بالمعنيين، فهو مرجوم بلعنة الله - والعياذُ بالله
- وطَرْدِه وإبعادِه عن رحمته، وهو راجم غيره بالمعاصي، فإن
الشياطين تَؤزُّ أهلَ المعاصي إلى المعاصي أزًّا.
ألفاظ لاستعاذة : (أبو داود وابن ماجه والدارقطني) ((أعوذ بالله من
الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه)) [95]
(أبو داود والترمذي بسند حسن) وكان أحياناً يزيد فيه فيقول: ((أعوذ
بالله السميع العليم من الشيطان... )). (البخاري ومسلم) ثم يقرأ:
((بسم الله الرحمن الرحيم)) ولا يجهر بها .
{ بسم الله الرحمن الرحيم } :البسملة تتضمن جارا ومجرورا ، وصفة
وموصوفا، فالجار هو : الباء ، والمجرور : اسم ، والصفة : الرحمن
الرحيم ، والموصوف : الله ،ومضافا ومضاف إليه ، اسم مضاف إلى لفظ
الجلالة . هذه البسملة لا بد أن تكون متعلقة بشيء ؛ لأن كل حرف
جر لا بد أن يتعلق بشيء . فهنا الباء لا بد أن تعلق بشيء ، وأحسن
ما قيل في متعلقها : انه فعل مؤخر مناسب للمقام ، فإذا كنت تسمي
على قراءة فالتقدير : بسم الله أقرأ ، وإذا كنت تسمي على أكل
فالتقدير : بسم الله آكل ، وعلى شرب : بسم الله أشرت ، وعلى وضوء
بسم الله أتوضأ ،وهكذا .
وهنا نقرأ البسملة لنقرأ الفاتحة ، فيكون التقدير فيها بسم الله
أقرأ .
وقلنا : بأن متعلقها فعل ؛ لأن الأفعال هي الأصل في العمل .
وقلنا : محذوف ، تبركا بالاقتصار على اسم الله عز وجل ، ولكثرة
الاستعمال .
وقلنا : متأخر ، لأن في تقديره متأخرا فائدتين .
1- التبرك بتقديم اسم الله عز وجل .
2- الحصر لأن تقديم المعمول يفيد الحصر .
وقدرنا ه مناسبا للمقام لأنه أدل على مقصود المبسمل ، فإنك إذا
قلت : بسم الله ، وأنت تريد القراءة ، فالتقدير بسم الله أقرأ ،
وهذا أخص مما لو قلت : بسم الله أبتدئ ؛ لأن القراءة أخص من مطلق
الابتداء .
وأما الله : فهو علم على الرب عز وجل ، وأصله : إله ، لكن حذفت
الهمزة تخفيفا لكثرة الاستعمال ، وإله بمعنى مألوه ، المألوه : هو
المعبود محبة وتعظيما .
وأما الرحمن : فهو اسم من أسماء الله ، وهو من حيث الإعراب صفة ،
وهو ذو الرحمة الواسعة الواصلة لجميع الخلق .
والرحيم : فعيل من الرحمة أيضا ، لكن روعي فيها الفعل دون الصفة ؛
لأن الرحمة وصف والفعل إيصال الرحمة إلى المرحوم .